جَلَستُ القرفَصَاء ، تَرَبَّعتُ على الرمَادِ ، توسَّدتُهُ ... لا أكادُ أَقَرُّ على مقعدٍ حتّى أُفارِقَه.
الأَملُ الكاذِبُ يَنخُرُنِي .. كلُّ ريشةٍ تسقُطُ تنذِرُني ، تَرجُوني ، تتوسّلُ إليّ ... "أنُ اسطُرْ بي وداعَكَ قبلَ أنْ أصير و إيّاهُ رمادَا"
ترجّلتُ .. خانَتْني رِجلايَ.
مَدَدتُ الطرفَ راجياً ، عالِماً بِكَذِبِ رَجائِي .. باكِياً ، عالماً بِعَجزِ بُكائي ... رَأَيتُهُ ، جسداً هامِداً بارِدا ، و نارٌ حَولهُ زاهِيَةٌ حامِيَة.
ظَنَنتُ فخابَ ظنِّي ، وَثِقتُ فسَخِرَ مِنِّي عقلي ...
حَسِبتُ أنََّ الجرَّةَ تسلَمُ في كلِّ مرّة ، فإذَا هِيَ حُطامُ.
يَدوسُ عَلَيها الزَّمَنُ بِحافِرٍ مِنْ حديد ، يتَّخذُها هُزُؤاً .. و ليسَ لها سِوى أنْ تَنزِفَ و تَعودَ إلى التُّراب
رأيتُهُ يَمُوتُ مَرَّاتٍ و مرَّات ...
حَرْبَةٌ خَرَقَتْ عُنُقَه ، لَدْغَةٌ بَثَّتْ فِيهِ سُمًّا ناقِعا .. أوْ يَدٌ غادِرةٌ ، دَفَعَتْ بِهِ مِنْ عَلياءِ مَجْدِهِ إلى حَضيضِ قَناعَتِه ...
و لكنْ هَيْهاتَ أَنْ يَموتَ العَنقاءُ
في قلبِهِ نارٌ،
إذا ماتَ جَسَدُهُ فاضَتْ مِنْ ظَهرِهِ إلى جناحَيْه ، فَإذا هُوَ مَلاكٌ في هالَةٍ مِنْ لَظَى ... يَسْتَعِرُ و يَتجدَّد.
العنقاءُ لا يَموت
في عَينَيْهِ نار .. في جوفِهِ ، في يَدَيْه ، في فَرجِهِ ، في قَلْبِه
يَتكَدّسُ الرمادُ فَيَصيرُ عظما ، تَرتُقُ الأشلاءُ و تَبرَأُ الأعضاء .. يَخرَسُ الزّمَنُ إذْ يَشهَرُ العَنقاءُ أُصْبُعاً قانِياً في مُحيّاه :
"لا سُلطانَ لَكَ على رَجُلٍ أعارَتْهُ الحمامَةُ طَوْقَها ، و كَساهُ حُسْناً رِيشَهُ الفِينيقٌ"
العنقاءُ لا يَموتُ ، فما بالُهُ الآنَ يُحْتضَر؟
زَحَفتُ إلَيْهِ على أرْبع. تفصلُني عنهُ خُطواتٌ مِن رمادِ لاذِع و نَجيعٍ مائِع ..
زَحَفتُ إليهِ و كفّايَ و رُكْبَتَايَ تَحتَرِقان ،
ألْقَيْتُ السّمعَ أتصيّدُ خفقان قلبِه ، راجياً ، عالماً بِكَذِبِ رَجائي ، باكياً ، عالماً بِعَجْزِ بُكائي
أتذكّرُهُ في أطلالِ بَيْتٍ قائِم .. في ساحةِ حَرْبٍ فارغة ...
أتذكّرُهُ يَبذُلُ المَنْفى فَيُفلِتُ مِنه ، و يُفلِتُ المَرعى فيُطالِبُ بِه .. يَخافُ ساحةَ حربٍ عامِرة ..
أتذكّرُهُ في كلِّ مرّةٍ يَسقُط .. يَحتَرِقُ في نشوةٍ و يُولَدُ مِنْ جديد ، كَنَجمٍ أو كَعَنقاء ... فما بالهُ الآنَ يُحْتضَر؟
أدْرَكتُهُ قَبلَ أنْ تخبُوَ نارُهُ ..
مُستَلقِياً على جَنْبِهِ جسداً هامِداً بارِدا .. تفحّمتْ ساقاه ، تفتّتَ جناحه و تخضَّبَ كتِفُه بالدِّماء
مدّثِّراً بِبقايا بُرنسِ أبيض ، لمْ يطَلهُ سوادُ الفحمِ و لا حُمرةُ الدّماء ... مُتقَلّداً حِليَةً ذهبيَّةً كشمسِ في سماءِ فؤادِه ..
مددتُ يدي إليْه ، أصلحتُ رِداءهُ و ألقَيْتُه على ظَهْرِه ... حفرةٌ غارَتْ في صَدرِه مكانَ قَلبِه ...
أيْنَ قَلبُه؟
فِلذَةٌ في الشّرقِ و شِلوٌ في الغرْب .. إحْدَى حُفِطتْ في فؤادِ و أُخرى سُحِقَتِ بِحِذاء ، و لمْ يَبْقَ في صَدْرِ العنْقَاءِ شَيْء
أنّى لهُ أنْ يُبْعَث ...
مَسَحتُ الرمادَ عَنْ مُحيّاَه ، وجهٌ اعتدْتُ رُؤيَتَهُ في مِرآتي ..
أَبْيضُ تَعْلو وجْنَتَيْهِ حُمرةُ دمٍِ حار ، حمرةُ لَفْحةِ شَمس ، وَ حُمِرةُ حياء .. هوَ ذا الحينِ أزْرَق مُسودّ ، بارِد ، فارِغ
عيناهُ تتلألآنِ إذْ يرقُصُ ظلُّ المَوتِ علَيهمَا ... كمَا تلألأتَا بِألفِ نَجمةٍ من قبلُ ،
عينانِ اعتادتا أنْ تَريَا بُعَيْدَ الأُفُق ، فضاءً ، أثيراً ، قصَّةً مُصوَّرة ، مُتتالَيةً هَنْدسِيَّة ، سيفاً ، عالماً قديماً و آخَرَ جديداً ...
تَرَيانِ الآنَ روحاً تَرَكَتْ جَسَدَها .. روحاً تُبادلُهُ نَظَراتِ حَسْرةٍ لا نَدم .. تُغَادِرُهُ ، تَخفِقُ مُبتَعِدةً بِجناحَينِ مِن نار ..
أنّى لهُ أن يُبْعَثَ بِلا قَلِبٍ و إنْ كانَ فينيقَا .. فلَيْتَني أجِدُ لَهُ فِلذَةً ، علَّهُ يَفْرِدُ جَناحَيْهِ مِن جَديد ...
ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله...هل أنت كاتب هذه السطور؟؟؟
ReplyDeleteSomebody checked my blog, yay :D
Deleteبلى ، هو أنا كاتبها ، و ليثلج صدري أنّها راقتك :)
lol i just cheked " رِثاءُ العَنقاء" :p and yes i liked it so much ^^
ReplyDelete