Monday, March 31, 2014

رِثاءُ العَنقاء



جَلَستُ القرفَصَاء ، تَرَبَّعتُ على الرمَادِ ، توسَّدتُهُ ... لا أكادُ أَقَرُّ على مقعدٍ حتّى أُفارِقَه.

الأَملُ الكاذِبُ يَنخُرُنِي .. كلُّ ريشةٍ تسقُطُ تنذِرُني ، تَرجُوني ، تتوسّلُ إليّ ... "أنُ اسطُرْ بي وداعَكَ قبلَ أنْ أصير و إيّاهُ رمادَا"



ترجّلتُ .. خانَتْني رِجلايَ.

مَدَدتُ الطرفَ راجياً ، عالِماً بِكَذِبِ رَجائِي .. باكِياً ، عالماً بِعَجزِ بُكائي ... رَأَيتُهُ ، جسداً هامِداً بارِدا ، و نارٌ حَولهُ زاهِيَةٌ حامِيَة.

ظَنَنتُ فخابَ ظنِّي ، وَثِقتُ فسَخِرَ مِنِّي عقلي ...

حَسِبتُ أنََّ الجرَّةَ تسلَمُ في كلِّ مرّة ، فإذَا هِيَ حُطامُ. 

يَدوسُ عَلَيها الزَّمَنُ بِحافِرٍ مِنْ حديد ، يتَّخذُها هُزُؤاً .. و ليسَ لها سِوى أنْ تَنزِفَ و تَعودَ إلى التُّراب



رأيتُهُ يَمُوتُ مَرَّاتٍ و مرَّات ...

حَرْبَةٌ خَرَقَتْ عُنُقَه ، لَدْغَةٌ بَثَّتْ فِيهِ سُمًّا ناقِعا .. أوْ يَدٌ غادِرةٌ ، دَفَعَتْ بِهِ مِنْ عَلياءِ مَجْدِهِ إلى حَضيضِ قَناعَتِه ...

و لكنْ هَيْهاتَ أَنْ يَموتَ العَنقاءُ



في قلبِهِ نارٌ،

إذا ماتَ جَسَدُهُ فاضَتْ مِنْ ظَهرِهِ إلى جناحَيْه ، فَإذا هُوَ مَلاكٌ في هالَةٍ مِنْ لَظَى ... يَسْتَعِرُ و يَتجدَّد.

العنقاءُ لا يَموت

في عَينَيْهِ نار .. في جوفِهِ ، في يَدَيْه ، في فَرجِهِ ، في قَلْبِه

يَتكَدّسُ الرمادُ فَيَصيرُ عظما ، تَرتُقُ الأشلاءُ و تَبرَأُ الأعضاء .. يَخرَسُ الزّمَنُ إذْ يَشهَرُ العَنقاءُ أُصْبُعاً قانِياً في مُحيّاه :

"لا سُلطانَ لَكَ على رَجُلٍ أعارَتْهُ الحمامَةُ طَوْقَها ، و كَساهُ حُسْناً رِيشَهُ الفِينيقٌ"



العنقاءُ لا يَموتُ ، فما بالُهُ الآنَ يُحْتضَر؟

زَحَفتُ إلَيْهِ على أرْبع. تفصلُني عنهُ خُطواتٌ مِن رمادِ لاذِع و نَجيعٍ مائِع ..

زَحَفتُ إليهِ و كفّايَ و رُكْبَتَايَ تَحتَرِقان ،

ألْقَيْتُ السّمعَ أتصيّدُ خفقان قلبِه ، راجياً ، عالماً بِكَذِبِ رَجائي ، باكياً ، عالماً بِعَجْزِ بُكائي



أتذكّرُهُ في أطلالِ بَيْتٍ قائِم .. في ساحةِ حَرْبٍ فارغة ...

أتذكّرُهُ يَبذُلُ المَنْفى فَيُفلِتُ مِنه ، و يُفلِتُ المَرعى فيُطالِبُ بِه .. يَخافُ ساحةَ حربٍ عامِرة ..

أتذكّرُهُ في كلِّ مرّةٍ يَسقُط .. يَحتَرِقُ في نشوةٍ و يُولَدُ مِنْ جديد ، كَنَجمٍ أو كَعَنقاء ... فما بالهُ الآنَ يُحْتضَر؟



أدْرَكتُهُ قَبلَ أنْ تخبُوَ نارُهُ ..

مُستَلقِياً على جَنْبِهِ جسداً هامِداً بارِدا .. تفحّمتْ ساقاه ، تفتّتَ جناحه و تخضَّبَ كتِفُه بالدِّماء

مدّثِّراً بِبقايا بُرنسِ أبيض ، لمْ يطَلهُ سوادُ الفحمِ و لا حُمرةُ الدّماء ... مُتقَلّداً حِليَةً ذهبيَّةً كشمسِ في سماءِ فؤادِه ..

مددتُ يدي إليْه ، أصلحتُ رِداءهُ و ألقَيْتُه على ظَهْرِه ... حفرةٌ غارَتْ في صَدرِه مكانَ قَلبِه ...

أيْنَ قَلبُه؟

فِلذَةٌ في الشّرقِ و شِلوٌ في الغرْب .. إحْدَى حُفِطتْ في فؤادِ و أُخرى سُحِقَتِ بِحِذاء ، و لمْ يَبْقَ في صَدْرِ العنْقَاءِ شَيْء

أنّى لهُ أنْ يُبْعَث ... 




مَسَحتُ الرمادَ عَنْ مُحيّاَه ، وجهٌ اعتدْتُ رُؤيَتَهُ في مِرآتي .. 

أَبْيضُ تَعْلو وجْنَتَيْهِ حُمرةُ دمٍِ حار ، حمرةُ لَفْحةِ شَمس ، وَ حُمِرةُ حياء .. هوَ ذا الحينِ أزْرَق مُسودّ ، بارِد ، فارِغ

عيناهُ تتلألآنِ إذْ يرقُصُ ظلُّ المَوتِ علَيهمَا ... كمَا تلألأتَا بِألفِ نَجمةٍ من قبلُ ،

عينانِ اعتادتا أنْ تَريَا بُعَيْدَ الأُفُق ، فضاءً ، أثيراً ، قصَّةً مُصوَّرة ، مُتتالَيةً هَنْدسِيَّة ، سيفاً ، عالماً قديماً و آخَرَ جديداً ...

 تَرَيانِ الآنَ روحاً تَرَكَتْ جَسَدَها .. روحاً تُبادلُهُ نَظَراتِ حَسْرةٍ لا نَدم .. تُغَادِرُهُ ، تَخفِقُ مُبتَعِدةً بِجناحَينِ مِن نار ..



أنّى لهُ أن يُبْعَثَ بِلا قَلِبٍ و إنْ كانَ فينيقَا .. فلَيْتَني أجِدُ لَهُ فِلذَةً ، علَّهُ يَفْرِدُ جَناحَيْهِ مِن جَديد ...





3 comments:

  1. ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله...هل أنت كاتب هذه السطور؟؟؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. Somebody checked my blog, yay :D

      بلى ، هو أنا كاتبها ، و ليثلج صدري أنّها راقتك :)

      Delete
  2. lol i just cheked " رِثاءُ العَنقاء" :p and yes i liked it so much ^^

    ReplyDelete